ابن أبي الحديد

211

شرح نهج البلاغة

قوله : " اليوم أنطق " ، هذا مثل آخر ، والعجماء التي لا نطق لها ، وهذا إشارة إلى الرموز التي تتضمنها هذه الخطبة ، يقول : هي خفية غامضة وهي مع غموضها جلية لأولي الألباب ، فكأنها تنطق ، كما ينطق ذوو الألسنة ، كما قيل : ما الأمور الصامتة الناطقة ؟ فقيل : الدلائل المخبرة ، والعبر الواعظة . وفي الأثر : سل الأرض : من شق أنهارك ، وأخرج ثمارك ؟ فإن لم تجبك حوارا ، أجابتك اعتبارا . قوله : " عزب رأى امرئ تخلف عنى " هذا كلام آخر ، عزب ، أي بعد ، والعازب : البعيد . ويحتمل أن يكون هذا الكلام إخبارا ، وأن يكون دعاء ، كما أن قوله تعالى : ( حصرت صدورهم ) ( 1 ) ، يحتمل الامرين . قوله : " ما شككت في الحق مذ رأيته " ، هذا كلام آخر ، يقول : معارفي ثابتة لا يتطرق إليها الشك والشبهة . قوله : " لم يوجس موسى " ، هذا كلام شريف جدا ، يقول : إن موسى لما أوجس الخيفة بدلالة قوله تعالى : ( فأوجس في نفسه خيفة موسى ) ( 2 ) لم يكن ذلك الخوف على نفسه ، وإنما خاف من الفتنة والشبهة الداخلة على المكلفين عند إلقاء السحرة عصيهم ، فخيل إليه من سحرهم أنها تسعى ، وكذلك أنا لا أخاف على نفسي من الأعداء الذين نصبوا لي الحبائل ، وأرصدوا لي المكائد ، وسعروا على نيران الحرب ، وإنما أخاف أن يفتتن المكلفون بشبههم وتمويهاتهم ، فتقوى دولة الضلال ، وتغلب كلمة الجهال . قوله : " اليوم تواقفنا " ، القاف قبل الفاء ، تواقف القوم على الطريق ، أي وقفوا كلهم عليها ، يقول : اليوم اتضح الحق والباطل ، وعرفناهما نحن وأنتم . قوله : " من وثق بماء لم يظمأ " ، الظمأ الذي يكون عند عدم الثقة بالماء ، وليس

--> ( 1 ) سورة النساء 90 ( 2 ) سورة طه 67